ابن أبي مخرمة

21

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

العنسي - بنون ساكنة بين المهملتين ، نسبة إلى قبيلة كبيرة من مذحج - الجبائي الملقب كمال الدين . ولد سنة ثمان وأربعين وخمس مائة . وتفقه بعلماء عصره ، فكان فقيها كبيرا ، إماما مشهورا . شرح « لمع الشيخ أبي إسحاق » في أصول الفقه بكتاب سماه : « الأمثال » . تفقه به جمع كثير ، وأثنى عليه غالب العلماء ، وامتحن بجعله قاضي القضاة باليمن ، وكان من أثبت القضاة وأورعهم ، واستناب في جميع النواحي باليمن من هو صالح للقضاء . قال الجندي والخزرجي : ( لم يكن فيمن ولي القضاء أفقه منه مع الورع الشديد ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولم يزل على الحال المرضي مستمرا على القضاء إلى أن توفي سنة أربع وست مائة بذي أشرق رحمه اللّه تعالى ونفع به ) اه « 1 » وهو أول من انتشر عنه من الشافعية القول بعقد بيع العهدة ، والعمل بمقتضى الوعد فيه ، واللّه أعلم . وصح بأسانيد متواترة أن بعض التجار باع إلى الملك الذي ولى القاضي مسعود القضاء بضاعة كثيرة بمال جزيل ، ثم إن الملك المذكور مطل التاجر بالثمن مرة بعد مرة بحيث قلق من ذلك ، فرفع أمره إلى القاضي مسعود ، فكتب إحضارا فيه : إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، ليحضر فلان بن فلان إلى مجلس الشرع الشريف بذي أشرق ، ولا يتأخر إن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر . ثم أمر بالإحضار عونا ، وأمره ألّا يسلمه إلا ليد السلطان ، فلما وقف عليه السلطان . . قال : نعم ، أؤمن باللّه واليوم الآخر ، نعم ، أؤمن باللّه واليوم الآخر ، ثم خرج من فوره ، فركب دابة من دواب النوبة وسار إلى القاضي ، فلما وصل إليه ، وقرب من مجلسه بحيث يراه ويسمع كلامه . . قال له رافعا صوته : اتق اللّه ، وساو خصمك ، فقام التاجر بإزاء السلطان ، وادعى عليه بالمال ، فاعترف السلطان بالمال ، فقال التاجر : التسليم ، أو موجب الشرع ، فقيل له : ألا تصبر حتى يصل السلطان إلى داره ، فامتنع وقال : لا أفارقه

--> ( 1 ) « السلوك » ( 1 / 376 ) ، و « طراز أعلام الزمن » ( 3 / 343 ) .